محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الذي كان به موصوفا . فإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : وحرم عليكم ما أهل لغير الله به ، والمنخنقة ، وكذا وكذا وكذا ، إلا ما ذكيتم من ذلك ف " ما " إذ كان ذلك تأويله في موضع نصب بالاستثناء مما قبلها ، وقد يجوز فيه الرفع . وإذ كان الأمر على ما وصفنا ، فكل ما أدركت ذكاته من طائر أو بهيمة قبل خروج نفسه ومفارقة روحه جسده ، فحلال أكله إذا كان مما أحله الله لعباده . فإن قال لنا قائل : فإذ كان ذلك معناه عندك ، فما وجه تكريره ما كرر بقوله : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وسائر ما عدد تحريمه في هذه الآية ، وقد افتتح الآية بقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وقد علمت أن قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ شامل كل ميتة كان موته حتف أنفه ، من علة به من غير جناية أحد عليه ، أو كان موته من ضرب ضارب إياه ، أو انخناق منه أو انتطاح أو فرس سبع ؟ وهلا كان قوله إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك من أنه معني بالتحريم في كل ذلك الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك ، دون أن يكون معنيا به تحريمه إذا تردى أو انخنق ، أو فرسه السبع ، فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه إلا باليسير من الحياة ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ مغنيا من تكرير ما كرر بقوله ؛ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وسائر ما ذكر مع ذلك وتعداده ما عدد ؟ قيل : وجه تكراره ذلك وإن كان تحريم ذلك إذا مات من الأسباب التي هو بها موصوف ، وقد تقدم بقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أن الذين خوطبوا بهذه الآية لا يعدون الميتة من الحيوان ، إلا ما مات من علة عارضة به ، غير الانخناق والتردي والانتطاح ، وفرس السبع ، فأعلمهم الله أن حكم ذلك حكم ما مات من العلل العارضة ، وأن العلة الموجبة تحريم الميتة ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها ، ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أجل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به . كالذي : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ يقول : هذا حرام ، لأن ناسا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدونه ميتا ، إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع ، فحرمه الله عليهم ، إلا ما ذكروا اسم الله عليه وأدركوا ذكاته وفيه الروح . القول في تأويل قوله تعالى : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ يعني بقوله جل ثناؤه : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وحرم عليكم أيضا الذي ذبح على النصب . ف " ما " في قوله وَما ذُبِحَ رفع عطفا على " ما " التي في قوله : وَما أَكَلَ السَّبُعُ والنصب : الأوثان من الحجارة جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض ، فكان المشركون يقربون لها ، وليست بأصنام . وكان ابن جريج يقول في صفته ما : حدثنا القاسم : قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : النصب : ليست بأصنام ، الصنم يصور وينقش ، وهذه حجارة تنصب ثلاثمائة وستون حجرا ، منهم من يقول : ثلاثمائة منها لخزاعة . فكانوا إذا ذبحوا ، نضحوا الدم على ما أقبل من البيت ، وشرحوا اللحم وجعلوه على الحجارة ، فقال المسلمون : يا رسول الله ، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم ، فنحن أحق أن نعظمه فكان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره ذلك ، فأنزل الله : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ومما يحقق قول ابن جريج في أن الأنصاب غير الأصنام ما : حدثنا به ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قال : حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : النُّصُبِ قال : حجارة حول الكعبة ، يذبح عليها أهل الجاهلية ، ويبدلونها إن شاءوا بحجارة أعجب إليهم منها . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ والنصب : حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ، ويذبحون لها ، فنهى الله عن ذلك . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَما